روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

95

مشرب الأرواح

الباب الخامس في مقامات المحبين وفيه واحد وخمسون فصلا الفصل الأول : في مقام الوقت إذا بدا سلطان المحبة في قلب المحب بعد فراغه من المقامات ويتشوق في طلب كشف جلال المحبة ولا يبقى عليه من حظ الطبيعة شيء صار قلبه مرآة للملكوت ، تبدأ فيه أنوار الجبروت في أوان القربة ويكون بين صحو ومحو وبين حضور وغيبة ، فكلما يلوح له برق التجلي من مزن الغيب ويمطر على أرض قلبه من سماء القدم غيث الإلهام ويثبت فيه ورد الشوق ويهيج سره من أصل الفطرة إلى معدن القدس وتغلب سبحات المشاهدة على سناء الروح وتكون الروح في محل الدهش فهو في مقام الوقت ، وفي حالة نزول هذه الأحكام سمّاه العارفون صاحب وقت ، ومعنى الوقت : ظهور حقائق الغيب بوصف الكشف لعين روحه ، فإذا طابت بحلاوة الكشف فيكون في وقت وشأنه الغيبة عن الوجود والخروج عن الأوصاف المعهودة ، ألا ترى كيف أشار سبحانه إلى حال موسى عليه السلام في وقت التجلي حيث قال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] ، وفي ذلك الوقت يكون العارف في مشاهدة الحق لا يزاحمه الحدثان ، ولا يدخل في قلبه شيء من الأكوان ، الخطرات عنه تصرمت واللحظات عنه انطمست ، كما وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وقته بنعت انقطاع الحق عن قلبه المبارك في مشاهدة مولاه جلّ جلاله وصلوات اللّه وبركاته عليه وعلى وقته العزيز ، قال عليه السلام : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » « 1 » أي إذا كنت حاملا برجا شهود الأزل لا يحملني المقربون والمرسلون ولا العرش ولا الكرسي ولا السماوات ولا الأرضون لرزانة أمانة القدم على قلبي لأني هناك في مقام الاتحاد ، ولا يحملني الكون وما فيه لأن شعرة من شعراتي في فرقي أثقل من العرش والكرسيّ » .

--> ( 1 ) أورده الهروي في المصنوع [ 1 / 258 ] والعجلوني في كشف الخفاء حديث رقم ( 2159 ) [ 2 / 226 ] .